ابن بطوطة

201

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

الأسواق وبينها وبين المحلة الكبيرة ثلاثة فراسخ ، وضبط اسمها بفتح السين المهمل والميم وتشديد النون وضمها وواو ودال مهمل ، ومن هذه المدينة ركبت النيل مصعدا إلى مصر ما بين مدائن وقرى منتظمة متصل بعضها ببعض ، ولا يفتقر راكب النيل إلى استصحاب الزاد لأنه مهما أراد النزول بالشاطئ نزل للوضوء والصلاة وشراء الزاد وغير ذلك ، والأسواق متصلة من مدينة الإسكندرية إلى مصر ومن مصر إلى مدينة أسوان « 77 » من الصعيد . ثم وصلت إلى مدينة مصر هي أم البلاد ، وقرارة فرعون ذي الأوتاد « 78 » ، ذات الأقاليم العريضة ، والبلاد الأريضة المتناهية في كثرة العمارة ، المتباهية بالحسن والنضارة ، مجمع الوارد والصادر ، ومحط رحل الضعيف والقادر ، وبها ما شئت من عالم وجاهل وجادّ وهازل ، وحليم وسفيه ، ووضيع ونبيه ، وشريف ومشروف ، ومنكر ومعروف ، تموج موج البحر بسكانها ، وتكاد تضيق بهم ، على سعة مكانها وإمكانها « 79 » ، شبابها يجدّ على طول العهد ، وكوكب تعديلها لا يبرح منزل السعد ، قهرت قاهرتها الأمم ، وتملكت ملوكها نواصي العرب والعجم ، ولها خصوصية النيل التي جل خطرها ، وأغناها عن أن يستمد القطر قطرها ، وأرضها مسيرة شهر لمجد السير ، كريمة التربة ، مؤنسة لذوي الغربة . قال ابن جزي : وفيها يقول الشاعر : لعمرك ما مصر بمصر وإنما * هي الجنّة الدّنيا لمن يتبصّر فأولادها الولدان والحور عينها * وروضتها الفردوس ، والنيل كوثر . وفيها يقول ناصر الدين بن ناهض : شاطىء مصر جنّة * ما مثلها من بلد لا سيما مذ زخرفت * بنيلها المطرد وللرّياح فوقهء * سوابغ من زرد مسرودة ما مسّها * داودها بمبرد سائلة هواؤها * يرعد عاري الجسد والفلك كالأفلاك بين * حادر ومصعد

--> ( 77 ) ما تزال البلاد على ما كانت ، فلك في كل محطة ما تريد وما تشتهي ! ( 78 ) فرعون ذو الأوتاد - يراجع تفسير السورة رقم 38 - . د . بهاء الدين الوردي : حول رموز القرآن ج 1 دار الرشاد الحديثة - البيضاء 1983 ص 76 . ( 79 ) يذكر فريسكوبالدي ( FRESCOBALDI ) 1348 : أن أكثر من مائة ألف من الناس ينامون ليلا خارج القاهرة لعدم توفرهم على السكن ونذكر اليوم أن عدد سكانها يقدر باثني عشر مليونا !